محمد بن وليد الطرطوشي
226
سراج الملوك
وقال : يا رب أعظم دمي في عين أعدائي ، كما عظّمت في عيني دم عدوي ، وكذلك خلّصني من جميع الهموم . وقالت حكماء الهند : لا سؤدد مع انتقام ، ولا سياسة مع عزازة نفس وعجب . وقالت الحكماء : ليس الإفراط في شيء ، أجود منه في العفو ، ولا هو في شيء أقبح منه في العقوبة ، وكذلك التقصير ، مذموم في العفو محمود في العقوبة . واعلم : أنك إن تخطئ في العفو في ألف قضية ، خير من أن تخطئ في العقوبة في قضية واحدة . وقال معاوية : إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي ، وجهل أكبر من حلمي ، وعورة لا يواريها ستري . وقال المأمون : ليس عليّ في الحلم مئونة ، ولوددت أنّ أهل الجرائم علموا رأيي في العفو ، فيذهب الخوف عنهم ، فتخلص لي قلوبهم . وقال رجل للمنصور ، يا أمير المؤمنين : إن الانتقام انتصاف والتّجاوز فضل ، والمتجاوز قد جاوز حدّ المنصف ، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين « 1 » ، وأن لا يرتفع إلى أعلى الدرجتين ، فاعف عنا يعف اللّه عنك ، فعفا عنهم . وأنشدوا : وإذا بغى باغ عليك بجهله * فاقتله بالمعروف لا بالمنكر وقال بعضهم لمسلم بن قتيبة « 2 » لما عفا عنه : واللّه ما أدري أيها الأمير أي يوميك أشرف ، أيوم ظفرت . . . أم يوم عفوت ؟ .
--> ( 1 ) أوكس النصيبين : أنقصهما وأقلهما . ( 2 ) مسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي أمير ابن أمير كان أمير الجيوش ووالي خراسان زمن عبد الملك بن مروان من جهة الحجاج بن يوسف وهو المشهور بحزمه ونبله وفصاحته وكان جده كبير القدر عند يزيد بن معاوية ، وكان أهل البصرة يفخرون به . ( الأعلام 5 / 188 ) .